امرأة تونسية وثلاث حملات انتخابية

10 January 2018 امرأة تونسية وثلاث حملات انتخابية

أنا رائدة أعمال وريادة الأعمال لا تُميّز بين الجنسين، وهي تقوم على معادلة بسيطة: أن تعمل قدر المستطاع، وأن تُضحي بالغالي والثمين، ثم بعد الكثير من الجهد والوقت والمثابرة، وتحمُّل الضغط، وإذا كان الحظ في صفك، ستحقق النجاح وستكون "الواسطة" لنفسك. في السياسة، المعادلة مُختلفة، حيث يكون للجنس والواسطة دور كبير، على حساب العمل والجهد المبذول...خصوصًا في هذا الجزء من العالم.

في سنة 2003، اتصل بي والدي ليعلمني بأنهُ قد وقع إضافتي إلى القائمة الانتخابية الوحيدة المُرشحة للانتخابات البلدية في مسقط رأسي بني خلاد. قبل الثورة كان رفض الانتماء إلى قائمة الحزب الواحد، أو حتى الاحتجاج، يعني بأنك "لست معنا" مما يعرضك أنت وكل عائلتك للخطر أو على الأقل للمُضايقة. في الواقع، شعرتُ بكثير من الإهانة لأنهُ لم يتم حتى الاتصال بي أو استشارتي، وأن الخبر قد وصلني عن طريق والدي. كنتُ أشعرُ بالسخافة والإحراج وأنا مُقدِمة على المشاركة في أمر لم أكن أفقهُ منهُ أي شيء، كما لم أكن أعرف حتى الأشخاص الذين كنت معهم في نفس القائمة، ويجبُ عليّ مشاركتهم العمل في هذا المجلس البلدي ذو اللون الواحد. رغم كُل شيء، أقنعتُ نفسي بأنها ربما تكون فرصتي التي لم أنتظرها من أجل تغيير العالم.

بعد هذا "التشريف" المفاجئ والغير منتظر، كنتُ متحمسة جدًا لخدمة بلدتي، ولكن بعد اجتماعات قليلة، وقفتُ على الواقع البغيض، لم سوى مجرد عضوة صورية، زُج بها في هذه القائمة من أجل الاستجابة لشرط التمثيل النسبي للنساء والشباب (30 بالمائة) في القانون الانتخابي الجديد. كُل مُقترحاتي ومُبادراتي قوبلت بنوع من البرود، الابتسامات الساخرة والرفض اللطيف. بسُرعة، اكتشفت أنهُ لا يمكنني تغيير العالم، وأن حضوري من عدمه في هذه الاجتماعات لن يغير أي شيء، لذلك قررتُ عدم حضور أي اجتماع في المستقبل، وبهذا القرار انتهت تجربتي "الانتخابية" الأولى.

في شهر جانفي من سنة 2011، كانت تونس تعيشُ في خضم ثورة، فالشعب قد ملّ من الحزب الواحد والرئيس الواحد، وعائلته التي كانت تحكم في البلاد كأنها ملكية خاصة. في نفس الوقت كان متابعة كل هذه الآمال حول النظام الديمقراطي الذي كنا نجهله مُخيفًا ومُحمسًا. كانت البلاد والشعب يسيران نحو المجهول، وكل شخص كان يريد الدفاع عن تونس التي يحلُم بها. في ذلك الوقت كنتُ أشغل وظيفة محترمة في دولة الإمارات العربية المُتحدة، وكنت أتابع أحداث الثورة عبر الفايسبوك. كما كانت أشغال ترميم منزل دار بن قاسم (دار ضيافة في مدينة تونس) على قدم وساق؛ حيث كنت أُنفق كل مرتبي تقريبًا على أشغال الترميم التي حاولتُ أن أحرص على عدم توقفها مهما كان الثمن، فقد كانت تلك طريقتي الخاصة جدًا للمساهمة في انجاح الثورة.

بعد هروب الرئيس، كانت تونس تعيش في حالة من الضبابية الشديدة، طالب الشعب بتغيير الحكومة، وبكتابة دستور جديد...لم أستطع متابعة التطورات الحاصلة في البلاد بانتظام، واضطررت إلى الاعتماد على سيل المعلومات و "انفجار" الحريات على شبكات التواصل الاجتماعي في محاولة فهم ما يحدث؛ حيث كانت آراء الشعب شديدة التنوع والاختلاف. كل ما كنتُ أستطيع فعله هو أن أتحلى بروح إيجابية وأن أتمنى أن تصبح تونس أفضل، أقوى، وأقل فسادًا.

في صيف سنة 2011، كنت أقضي عطلتي الصيفية في تونس. لاحظتُ أن البلاد قد شهدت تغييرًا بالفعل. الشيء الأكثر دلالة على هذا التغيير، كان تزايد عدد النساء المُحجبات والرجال أصحاب اللحى الطويلة، حيث كانت هذه الأمور شبه ممنوعة قبل الثورة. من جهة، كنتُ سعيدة بأن أشاهد التونسيين وقد أصبحوا أحرارًا في اختيار نمط العيش الذي يريدونهُ، ولم أكن أستطيع التوقف عن الابتسام إلى الشابات المُحجبات والشباب ذوي اللحية، والذين كانوا ربما يرونني كالبلهاء؛ ولكن من جهة ثانية، بدأتُ أشعرُ بأنني ربما كنت ابتسم أكثر مما يلزم...فهل نحن ننتقل من حزب واحد إلى حزب واحد آخر...هل تسير البلاد في طريق العودة إلى الوراء؟

كانت الانتخابات الحقيقية الأولى في تاريخ البلاد مبرمجة في شهر أكتوبر من سنة 2011، لذلك قررتُ أن أخوض هذه "المعركة" من أجل مقعد في المجلس الوطني التأسيسي... ليس لأنني كنت أريد الكراسي والمناصب، ولكن لأنني كنت أُريدُ الدفاع عن التنوع، وإثبات أن وطني الصغير يستحق الانضمام إلى نادي الدول الديمقراطية. لقد كان قراراً صعبًا جدًا، ويتطلب العديد من التضحيات، على المستوى المادي وكذلك على مستوى المسار المهني، ولكن "إرادة الشعب" يجب أن تُفرض، وربما تكون هذه هي الفرصة التي انتظرتها لتغيير العالم...

حاولت اختيار الحزب الأنسب لي، ثم وجدت أن العديد من أصدقائي قد انضموا إلى حزب "أفاق تونس": وهو حزب سياسي قد وقع تكوينهُ حديثًا، ليس لهُ ايديولوجيا دينية أو قومية مثلا، بل هو معني أكثر بإصلاح النظام الاقتصادي للبلاد...لذلك أعجبني هذا الحزب وانضممتُ إليه.

طلبتُ إجازة بشهر من عملي في الإمارات العربية المتحدة، وبدأتُ في خوض أول حملة انتخابية لي. كان شهرًا من العمل بدون أي توقف. كنتُ مرشحة قائمة أفاق تونس عن دائرة نابل 2. من جهة منحني الانضمام إلى حزب سياسي الكثير من الطاقة الإيجابية، فهو يعني الانضمام إلى مجموعة من الأشخاص القادمين من كل أرجاء البلاد، والساعين إلى تحقيق "الحلم التونسي"، من خلال تقاسم المعارف، تبادل الخبرات، والعمل الشاق من أجل تحقيق مستقبل أفضل للجميع. ومن جهة أخرى، كانت الطموحات الشخصية متنوعة: عدد من أعضاء الحزب ضحوا أكثر من البقية، والبعض الآخر حاول أن يكون في القيادة أو أن يحقق مسارا سياسيا بأي وسيلة ودون اعتبار لبقية الأعضاء.

العمل الميداني، الإصغاء والحديث مع الناس، قيادة السيارة من قرية إلى قرية، بعضها لم يكن موجودًا حتى على الخريطة، جعل كل التضحيات المهنية والمادية تستحق العناء. وقع إخباري بأن بعض القرى لا يجب أن تكون ضمن مسار حملتي الانتخابية، لأنها لا تساوي الكثير في الانتخابات أو "ليس لها مخزون انتخابي هام". لكني لم أستطع مقاومة رغبتي في الذهاب إلى تلك القرى وتكوين صداقات هناك. في الواقع، من خلال تلك القرى المنسية، أدركتُ هشاشة النظام الديمقراطي الذي كنا بصدد بنائه، والأسباب الحقيقية للثورة، وكيف أن الحكومة والسياسيين في حالة عزلة عن هذا الواقع.

عدد الأصوات التي حصلتُ عليها لم يكن كافياً لدخول المجلس التأسيسي. على الرغم من كل شيء، الظروف والتحديات، لم تكن نتيجتي سيئة. لقد جعلتني تلك التجربة أكثر قلقًا منهُ اطمئناناً على مستقبل تونس. كانت الحملة الانتخابية لسنة 2011 تجربة إنسانية شديدة التأثير عليّ، حيث تركتني مُثقلة بعديد القصص لعائلات معوزة في كل أرجاء البلاد، الذين ليس لهم أبسط الحاجيات الأساسية. وأنا الشخص الذي وضع على عاتقه مهمة "تغيير العالم الآن"! 

بعد تجربة سنة 2011، خرجتُ بسؤال كبير هو: كيف يمكن للديمقراطية أن تنجح بدون ازدهار اقتصادي؟ هل يأبه المزارع الذي يُرغم على إخراج ابنته من المدرسة كي تعمل من أجل عشرة دنانير في اليوم لإعالة العائلة بالدستور الجديد؟ هل يهتم الشاب الذي يقضي كامل الصباح في مشاركة أصدقائه فنجان القهوة الوحيد بالحزب الذي سيحصل على الأغلبية؟  كيف يمكن التأسيس لديمقراطية حقيقية مبنية على تأثير أقلية على الفايسبوك؟ هكذا كانت النهاية المرتبكة والحائرة من تجربتي الانتخابية الثانية!

في سنة 2017، كنتُ بعيدة كل البعد عن أي حزب سياسي، أحاول أن أساهم في تطور البلاد من خلال المجتمع المدني، تقودني الطاقة الإيجابية لشباب يُحاربون من أجل أحلامهم. كنت أشعر بأن المجتمع المدني هو مكاني، أين يمكن القيام بالعديد من الأشياء. وقع دعوتي من عدد من الأحزاب لكي أخوض الانتخابات البلدية في قائمتها، لكني رفضت كل هذه الدعوات.

في سنة 2018، دعاني عدد من الشباب المُتحمس للعمل في بلدتي بني خلاد لخوض الانتخابات من أجل الحصول على مقاعد في المجلس البلدي الجديد، فقد أدرك هؤلاء الشباب أن الطريق الوحيد لتغيير الواقع وتحسين ظروف العيش في مدينتهم هو بالوصول إلى المجلس البلدي. اتصل بي أحد هؤلاء الشباب وطلب مني أن أترأس قائمتهم. في البداية، فاجأتني هذه الدعوة: فقد جاءت من شباب يُعتقد في العادة أنهُم غير مهتمين بالانتخابات والشؤون المحلية. ربما تكون هذه فرصتي لتغيير العالم!

إذن في هذه المرة، لا حزب سياسي، ولا أحد سينصحني لأي قرية أتوجه أو لا، أو أين توجد القواعد الانتخابية الأهم؛ فقط أنا وفريق جميل ومُتفائل، يُريدُ تغيير العالم بقدر ما أُريد. لم يكن لدي أي فكرة كيف يمكن تكوين قائمة من 27 شخص مع كل ما يتطلبهُ هذا الأمر من وثائق إدارية في أقل من شهرين، ثم خوض سباق الانتخابات. أطلقنا على قائمتنا تسمية "غدوة خير". مهما كانت المصاعب التي سنواجهها، كنا مؤمنين بأن المستقبل سيكون أفضل، لأننا سنجعلهُ كذلك معًا. وضعنا خطة لتطوير المدينة، ونشرنا عددين من جريدة خاصة بالحملة، كما قمنا بأربع اجتماعات انتخابية، بدون أن تقوم أي جهة سياسية كانت بدعمنا.

كانت الحملة مليئة بالمصافحات، الابتسامات، الطاقة الإيجابية، واجتماعات الأسبوعية ترسم بني خلاد حديثة ومنفتحة على العالم. كذلك كانت درسًا هامًا في المقارنة بيننا نحن، كمجموعة من الحالمين المجتهدين، وبين بقية القوائم الأخرى المنافسة. كانت تقنيات الحملات مُتنوعة جدًا، في بعض الأحيان لم يكن مفهومًا كيف أن بلدة صغيرة مثل بني خلاد يمكن أن يوجد فيها كل هذا التنوع. كنا نشعر بالثقة، كما كنا نرى بأن حملتنا الانتخابية هي الأكثر نزاهة، مُؤمنين بأن لفريقنا كل الإمكانيات لتحقيق مستقبل أفضل لمدينتنا.

خلال يوم الانتخابات، كان أعضاء قائمتنا كالجسد الواحد، في حالة من الإتحاد النفسي، والعقلي، حتى ولو كنا قلقين من أن النتيجة ستفرقنا؛ كنا متفائلين جدًا من أننا سنحصل على أكبر عدد من المقاعد. كذلك كنا قلقين في صورة عدم حصولنا على عدد كافي من المقاعد، كيف سنفعل من أجل تغيير واقع المدينة وتحقيق الأحلام التي بنيناها لها؟ في النهاية حصلنا على ثلاثة مقاعد من أصل 24 مقعدًا في المجلس البلدي. كانت النتيجة مُحيرة لنا جميعًا: لماذا لم نتمكن من كسب ثقة الناس في قائمتنا "غدوة خير"؟ هل اعتقدوا بأننا غير قادرين على فعل أي شيء؟ مع ثلاث كراسي فقط من جملة 24 مقعدا لن نكون قادرين على تغيير العالم كما كنا نريد، والغد الأفضل لا يبدو أنهُ سيكون بالقدر الذي كنا نتمناه.

الآن لدينا ثلاثة مقاعد، علينا التفاوض مع أعضاء آخرين حول من سيتولى رئاسة البلدية. على الرغم من خوضي لثلاث حملات انتخابية، فقد اكتشفت بأنني قد كنت ُ مع ألطف الناس. "مفاوضات من سيكون رئيس البلدية" جعلتني أكتشف كم يصبح الناس مُدّعين للطف. مرحبًا بالحقيقة، مرحبًا بالسياسيين، مرحبًا بتجارة الأصوات.

أنا مهندسة، عملتُ في أربعة بلدان مختلفة، أنشأتُ ثلاث شركات، اشتغلت على مواضيع اجتماعية متعددة، ووصلت إلى مرحلة أشعر فيها بعدم الارتياح عندما أذكر كل ما قمتُ به في سيرتي الذاتية. والآن يُقال لي بأنهُ لا يمكنني تولي رئاسة البلدية لأنني امرأة. كيف يصبح جنسي كامرأة عائقًا؟ لأنني لا أستطيع الجلوس في المقهى، ولا أستطيع الحديث مع شخص مخمور عندما يدخل إلى البلدية؟ وبكل بساطة لأنهُ منصب لا يمكن أن تتولاهُ المرأة...أنا أعتذر لكل الناشطات من أجل حقوق النساء؛ فقد كنتُ أعتقدُ دائمًا بأن الأمر مفروغ منه ولا يوجد داعي للدفاع عن حقوق النساء.

مع ثلاث مقاعد، لم أكن متحمسة لخوض سباق الترشح لرئاسة المجلس البلدي، ولكن مع دعم عدد من الأشخاص الذين وثقوا بي كثيرًا، ولأنني كنت أعتقد بأنهُ يمكنني تقديم الإضافة قررتُ الترشح... لم أفز، لكنني فخورة بشرف المحاولة.

هذه ليست نهاية الجزء الثالث، ولكن بداية تضحيات جديدة، وعمل شاق من أجل تحريك المياه الراكدة. تجربتي المتواضعة التي أردت تقاسمها مع القارئ الكريم أظهرت لي أن الشعبوية تقتل التنمية والتطوير، وأن أنانية القادة تقتل الديمقراطية. معظم الناس تُطربهم الخطابات الشعبوية، ويُعجبون بالأشخاص المُتباهين. الكثير من العمل يجب أن ينجز ضد هذا التيار لتحقيق بعض التنمية ولجعل الأهالي يتركون بناتهم يذهبون إلى المدرسة. ربما لن أعيش بما يكفي لأرى العالم يتغير، ولكن إذا بقت ابنة عامل واحد في المدرسة، وتم تحقيق بعض التنمية الريفية، لتجعل من تلك الفتاة تكبر وتدافع عن ديمقراطية قوية وتصوت لامرأة كي تتولى منصب رئاسة البلدية أو أن تصبح هي نفسها رئيسة بلدية، فسيصبح كل ما أقوم به يستحق العناء ولهُ معنى.

No Comments

Post A Comment

Powered by themekiller.com