تطبيق القانون حرفا بعد حرف

January 1st, 1970 تطبيق القانون حرفا بعد حرف

البلديات وتمويل الجمعيات
 

في عام 2018، انتخبت تونس ديمقراطيًا المجالس البلدية لأول مرة. عند تولي مسؤوليات المجلس، وبين عشية وضحاها تم تكليف الأعضاء المنتخبين بتنفيذ "مجلة الجماعات المحلية "، بعد عقود من العادات الراسخة وغير الديمقراطية.

 

عندما قررت الترشح لمنصب رئيس بلدية بني خلاد، قرأت 400 فصل في مجلة الجماعات المحلية المملة للغاية. لأكون صريحة، لم أفهم معظمها، لكن يمكنني القول بأنني قد بذلت قصارى جهدي وأنني قد حاولت تطبيقها بالفعل خلال حملتي الانتخابية. بعض الأجزاء التي فهمتها كانت تتردد كلحن موسيقي في أذني: الاستثمارات، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، دعم ريادة الأعمال ... كل هذا جعلني اشعر انه يمكن تحويل البلدية الى مؤسسة اجتماعية ... إذا نجحت!

 

عندما تم فرز جميع الأصوات، كنت في المركز الثاني. لذلك، في حين أنني لم أصبح رئيسًا لبلدية بني خلاد، كنت متحمسة لأن أكون جزءًا من المجلس البلدي وأعمل كرئيسة للجنة المالية.

 

عد أن شغلنا مقاعد المجلس، كان علينا إعداد ميزانية 2019. كانت هذه مهمة ضخمة، تضمنت 20 اجال و10 اجتماعات للمجلس. شعرت كأنني كنت على وشك مواجهة أحد أكبر التحديات في حياتي، ولكن بمساعدة موظفي البلدية ذوي الخبرة العالية، اختصرت العملية في النهاية الى إضافة نسبة ضئيلة لميزانية العام السابق، ولقد انتهينا! عند الانتهاء، كدت أشعر أنه يجب أن أعتذر لمصممي "مجلة الجماعات المحلية" عن كل الأفكار الرائدة التي وضعوها فيها. والحقيقة فقد كنت في أشهري الأولى في المجلس، ولم أُرد تقديم اقتراحات حتى أفهم كيف تسير الأمور.

 

في أحد اجتماعات الموازنة العديدة، كان علينا تحديد كيفية تخصيص تمويل 2019 للمجتمع المدني في بني خلاد. لدينا ميزانية إجمالية تم تخصيصها للجمعيات، وعلينا تقسيمها. بدا الاجتماع وكأنه بإمكان أي شخص صوته اعلا في الغرفة أن يحصل على تمويل أكثر للجمعيات الصديقة. ثم تم تقسيم الأموال المخصصة إلى "قائمة لطيفة" تقوم بمنح تمويل محدد مسبقًا، ايس على أساس المشاريع أو احتياجات تمويلية واضحة، وبدون أي معايير اختيار أو قطاع محدد ذي أولوية.

 

انتابني احباط، عدت إلى مجلة الجماعات المحلية، للعثور على الفصل المتعلق بتمويل الجمعيات. ووجدت الفصل 111: رقم جميل لفصل أجمل. ينص هذ الفصل على أنه لا يمكن تمويل الجمعيات من قبل البلدية إلا بعد المشاركة في طلب عروض تنافسي. بعد ذلك، المجلس البلدي مسؤول عن اختيار المقترحات التي سيتم تمويلها بناءً على الأولويات المحلية وبرنامج او مشروع واضح. بعد ذلك، بمجرد اختيار الجمعيات للتمويل، يجب تنفيذ المشاريع بناءً على مذكرة تفاهم بين الجمعية والبلدية، والتي تتبع تنفيذ المشروع الممول.

 

فصل رائع، أصبحت أحلم بتنفيذه، فطريقة العمل هذه أكثر عدلاً وتخدم المدينة بشكل أفضل. لكن هذا لم يكن سهلا.

 

أعتقد أنني قدمت أكثر من 10 رسائل رسمية تطلب تنفيذ المادة 111. في اجتماعات المجلس البلدي، حاولت شرح عملية التنفيذ الفصل عدة مرات، وشرح لماذا تطبيق الفصل 111 أفضل لمدينتنا.

 

لكن في كل منعطف، واجهت مقاومة شديدة للتغيير. بعض أعضاء المجلس يعتقدون أن عملية التمويل بتقديم مشروع والتنافس على التمويل ليس عادلا، لأن بعض الجمعيات تعتمد على التمويل العمومي لتغطية مصاريف التسيير، وتتوقع ميزانية سنوية من البلدية دون الكثير من الأسئلة، ستواجه صعوبات... لكن انتظروني، لماذا تقوم البلدية بتمويل تكاليف تسيير الجمعيات، في حين أننا لا نستطيع حتى تغطية تكاليف التشغيل الخاصة بالبلدية، وحتى الخدمات الأساسية، مثل جمع الفضلات؟ ألا يجب أن نمول الجمعيات التي تحقق قيمة مضافة للمدينة؟ ألا ينبغي أن يكون للجمعيات أعضاء أو داعمون للمساعدة في تغطية تكاليف التشغيل الخاصة بهم؟ لماذا يجب أن تعتمد الجمعيات على البلديات في تكاليف تشغيلها؟ وإذا حصلت جمعية على كل تمويلها من البلدية، هل يمكننا أن نطلق عليهم اسم مجتمع مدني؟

 

كما أنني واجهت مقاومة من الجمعيات نفسها. في محاولة لشرح إجراءات التمويل الجديدة، قمت بتنظيم اجتماعين مع كل الجمعيات المحلية. بعضها ذات تاريخ عريق، لا سيما تلك التي تم إنشاؤها قبل الثورة، والتي أصبحت تعتقد أن التمويل العمومي بمثابة التزام بلدي سنوي ولا يجوز إجبارهم على التنافس، خاصة مع الجمعيات الناشئة والشبابية. عندما اقترحت على الجمعيات العريقة استخدام علاقاتها وخبرتها لجمع التبرعات، وبالتالي تمكين البلدية من استغلال التمويل الضئيل لدعم جمعيات الشباب الناشئة حديثًا، تم تسميتي "بألقاب" غير جميلة، فبالطبع انا لم افهم دور البلدية في دعم المجتمع المدني ومن واجب البلدية البحث على تمويلات، والاتصال بالجهات الداعمة، لصالح الجمعيات!

 

تم نشر الدعوة لتقديم مقترحات المشاريع؛ وعقدت اجتماعات مع الجمعيات للتعريف بطريقة المشاركة وتفسير المنهجية الجديدة، وكانت هذه الاجتماعات حافله بالأصوات المتعالية ضد مشروع التنافس على التمويل العمومي وتطبيق الفصل 111. وعند عدم التراجع، وقعت سبع جمعيات محلية شكوى طويلة، أرسلتها إلى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، للاحتجاج على الطريقة الجديدة للحصول على الدعم البلدي وطريقة نشر طلب العروض و "تجاوزات" أخرى. الحقيقة حتى لو كانت الشكوى موجهة ضدي شخصيًا، أي مشروع لتوحيد الجمعيات يسعدني.

 

على الرغم من الكثير من الشكاوى، شاركت جمعيتان بتقديم مقترح مشاريع للحصول على الدعم العمومي. وشعرت أن هذه المرحلة بحد ذاتها هي إنجاز كبير لتنفيذ الفصل 111 العظيم. وقد اقترحت إحدى الجمعيات مشروعًا ثقافيًا لتمكين الشباب من استخدام الاليات الحديثة للإنتاج الرقمي ونشره، ولم تحصل هذه الجمعية على أي تمويل من البلدية في الماضي. العرض الثاني لجمعية خيرية تلقت تمويلًا من البلدية سابقا، تأسيسها بعد الثورة. وكانت الجمعية الخيرية من قاد مشروع الشكوى لهيئة مكافحة الفساد ومن موقعيها.

 

في النهاية، قرر المجلس البلدي الموافقة على مشروع الجمعية الخيرية ولم يوافق على تمويل مشروع إدماج الشباب الرقمي، فهو ليس بالضبط مشروع ثقافي ... لكن سنلوم كورونا بما اننا في عام الكورونا!

 

لم أكن سعيدة بقرار المجلس، خاصة لأن شبابنا في حاجه للتسلح بآليات المستقبل، ولملء الفراغ الكبير في حياتهم. كنت أتمنى لو أننا ندعم جمعية تتعامل مع البلدية لأول مرة، وقدمت كل شيء وفقًا للإجراءات التي حددناها في طلب العروض.

 

ومع ذلك، قمنا بتطبيق الفصل 111؛ ربما بطريقة مشوهة، لكن خطوة أولى... وإن شاء الله ليست بالأخيرة!

 

في هذه التجربة، اكتشفت معتقدات منحوتة على الحجر. التنمية الثقافية هي مهرجان وصور على الفيسبوك لمنصة كبار الشخصيات وحشد كبير من المواطنين أمامهم، أي شيء آخر ليس بثقافة. التنمية الرياضية هي نفقات فريق كرة القدم والعناية بعشب ملعب كرة القدم، ولا يمكن اعتبار أي شيء آخر تنمية رياضيه. التنمية الاجتماعية هي توزيع الحاجات المدرسية والغذاء لأصحاب الحق، وأي شيء آخر ليس بتنمية اجتماعية. التنمية الاجتماعية – الاقتصادية، غير ممكنه فالكلمتان لا تتحدان بشكل جيد. الاعمال الخيرية خير من التمكين الذاتي، فنتيجة التمكين طويلة المدى، ولا يمكن إثبات الأثر خلال الفترة النيابية القصير، لذلك لا جدوى منها!

 

 

 

1 comment

Post A Comment